الذهبي
545
سير أعلام النبلاء
جبال درن ( 1 ) ، وهو جبل الثلج ، وطريقه وعر ضيق . قال اليسع في " تاريخه " : لا أعلم مكانا أحصن من تينملل لأنها بين جبلين ، ولا يصل إليهما إلا الفارس ، وربما نزل عن فرسه في أماكن صعبة ، وفي مواضع يعبر على خشبة ، فإذا أزيلت الخشبة ، انقطع الدرب ، وهي مسافة يوم ، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون ، وكثروا وقووا ، ثم غدر بأهل تينملل الذين آووه ، وأمر خواصه ، فوضعوا فيهم السيف ، فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه : ما هذا ؟ ! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم ! ! فقال لأصحابه : هذا شك في عصمتي ، فأقتلوه ، فقتل . قال اليسع : وكل ما أذكره من حال المصامدة ، فقد شاهدته ، أو أخذته متواترا ، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابط أو تلمساني أن يحرقوه . فلما كان عام تسعة عشر وخمس مئة ، خرج يوما ، فقال : تعلمون أن البشير - يريد الونشريسي - رجل أمي ، ولا يثبت على دابة ، فقد جعله الله مبشرا لكم ، مطلعا على أسراركم ، وهو آية لكم ، قد حفظ القرآن ، وتعلم الركوب ، وقال : اقرأ ، فقرأ الختمة في أربعة أيام ، وركب حصانا وساقه ، فبهتوا ، وعدوها آية لغباوتهم ، فقام خطيبا ، وتلا : * ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) * [ الأنفال : 37 ] ، وتلا : * ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) * [ آل عمران : 110 ] ، فهذا البشر مطلع على الأنفس ، ملهم ،
--> ( 1 ) انظر " الروض المعطار " : ص : 234 ، 235 .